العيني
13
عمدة القاري
لأنهم كانوا يكتبون في الجاهلية : باسمك اللهم ، وكان النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في بدء الإسلام يكتب كذلك ، وهو معنى قوله : ( ولكن أكتب باسمك اللهم ) كما كنت تكتب ، فلما نزلت : * ( بسم الله مجريها ) * ( هود : 11 ) . كتب * ( بسم الله ) * ولما نزل : * ( ادعوا الرحمن ) * ( الإسراء : 71 ) . كتب * ( بسم الله الرحمن الرحيم ) * ( النمل : 03 ) . ولما نزل * ( إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ) * ( النمل : 03 ) . كتب كذلك فأدركتهم حمية الجاهلية . قوله : ( هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ) وقد مر الكلام فيه في أوائل الصلح في : باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان ، وكذلك مضى الكلام هناك في سهيل بن عمرو وابنه أبي جندل . قوله : ( نطوف به ) بتشديد الطاء والواو وأصله نتطوف به . قوله : ( فقال سهيل ( والله لا ) أي : لا يخلى بينك وبين البيت . وقوله : ( تتحدث العرب ) جملة استثنافية وليست مدخولة : لا ، ومدخولة : لا ، محذوفة وهي التي قدرناها ، وبعضهم ظن أن : لا ، دخلت على قوله : ( تتحدث العرب ) حتى قال عند شرح هذا : قوله : ( لا تتحدث العرب ) وهذا ظن فاسد ، فافهم ، فإنه موضع قليل من يدرك ذلك . قوله : ( إنا أخذنا ضغطة ) أي : قهراً . وقال الداودي : مفاجأة ، وهو منصوب على التمييز ، وقال ابن الأثير : يقال : ضغطه يضغطه ضغطاً : إذا عصره وضيق عليه وقهره ، ومنه حديث الحديبية : ( إنا أخذنا ضغطة ) أي : قهراً ، يقال : أخذت فلاناً ضغضة ، بالضم : إذا ضيقت عليه لتكرهه على الشيء . قوله : ( فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل ) وفي رواية ابن إسحاق : فإن الصحيفة تكتب إذ طلع أبو جندل ، بالجيم والنون على وزن جعفر ، وقد مر الكلام فيه في الصلح وله أخ اسمه : عبد الله أسلم قديماً وحضر مع المشركين بدراً ففر منهم إلى المسلمين ، ثم كان معهم بالحديبية ، وقد استشهد باليمامة قبل أبي جندل بمدة ، ووهم من جعلهما واحداً . قوله : ( يرسف في قيوده ) أي : يمشي مشياً بطيئاً بسبب القيد ، ومادته : راء وسين مهملة وفاء . قوله : ( إنا لم نقض الكتاب بعد ) أي : لم نفرغ من كتابته بعد ، وهو من : القضاء ، بمعنى : الفراغ ، ويروى : لم نفض ، بالفاء والضاد من : فض ختم الكتاب ، وهو كسره وفتحه . قوله : ( فأجزه لي ) بصيغة الأمر من الإجازة أي : أمض فعلي فيه ، ولا أرده إليك وفي ( الجمع ) للحميدي : فأجزه ، بالراء ورجح ابن الجوزي الزاي . قوله : ( ما أنا بمجيزه لك ) من الإجازة أيضاً ويروى : بمجيز ذلك . قوله : ( قال مكرز : بلى قد أجزنا ذلك ) هكذا رواية الكشميهني بلفظ : بلى ، وفي رواية غيره : قال مكرز بل بحرف الإضراب . وقال بعضهم : ولا يخفى ما فيه من النظر ، ولم يذكر هنا ما أجاب به سهيل مكرزاً في ذلك ، قيل : لأن مكرزاً لم يكن ممن جعل له أمر عقد الصلح ، بخلاف سهيل ، ورد على قائل هذا بما رواه الواقدي : أن مكرزاً ممن جاء في الصلح مع سهيل ، وكان معهما حويطب بن عبد العزى ، وذكر أيضاً أن مكرزاً وحويطباً أخذا أبا جندل فأدخلاه فسطاطاً وكفاه أباه عنه . قوله : ( فقال أبو جندل : أي معشر المسلمين ) أي : يا معشر المسلمين . قوله : ( وقد جئت مسلماً ) أي : حال كوني مسلماً ، وفي رواية ابن إسحاق . فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : يا أبا جندل : إصبر واحتسب فأنا لا نغدر ، وإن الله جاعل لك فرجاً ومخرجاً . قال : فوثب عمر ، رضي الله تعالى عنه ، مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ، ويقول : اصبر فإنما هم المشركون ، وإنما دم أحدهم كدم كلب . قال : ويدني قائم السيف منه ، يقول عمر : رجوت أن يأخذه مني فيضرب به أباه ، فضن الرجل أي : بخل بأبيه ونفذت القضية ، وقال الخطابي : تأول العلماء ما وقع في قصة أبي جندل على وجهين : أحدهما : أن الله تعالى قد أباح التقية إذا خاف الهلاك ، ورخص له أن يتكلم بالكفر مع إضمار الإيمان مع وجود السبيل إلى الخلاص من الموت بالتقية . والوجه الثاني : أنه إنما رده إلى أبيه ، والغالب أن أباه لا يبلغ به للهلاك ، وإن عذبه أو سجنه فله مندوحة بالتقية أيضاً ، وأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان من الله يبتلي به صبر عباده المؤمنين ، وقالت طائفة : إنما جاز رد المسلمين إليهم في الصلح لقوله ، صلى الله عليه وسلم : لا تدعوني قريش إلى خطة يعظمون بها الحرم إلا أجبتهم ، وفي رد المسلم إلى مكة عمارة للبيت وزيادة خير من صلاته بالمسجد الحرام وطوافه بالبيت ، فكان هذا من تعظيم حرمات الله تعالى ، فعلى هذا يكون حكماً مخصوصاً بمكة وبسيدنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وغير جائز لمن بعده ، كما قال العراقيون . قوله : ( فقال عمر بن الخطاب : فأتيت نبي الله . . . ) إلى آخر الكلام ، وفي رواية الواقدي من حديث أبي سعيد ، قال : قال عمر ، رضي الله تعالى عنه : لقد دخلني أمر عظيم ، وراجعت النبي ، صلى الله عليه وسلم مراجعة ما راجعته مثلها قط ، وفي سورة الفتح ، ( فقال عمر : ألسنا على الحق وهم على الباطل ؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ فعلى ما نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولم يحكم الله بيننا ؟ ) فقال : يا ابن الخطاب